محمد سعيد رمضان البوطي

40

فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة

وقامت بينه وبينهم قرون أخرى ، ازدادوا قربا إلى مبادئه ودعوته حتى بلغ هذا القرب مداه الأخير إبّان بعثة المصطفى عليه الصلاة والسلام ! . . أفهكذا يقرر التاريخ ، أم إنه يقرر عكس ذلك تماما في أبسط ما تنطق به ( ألف باؤه ) الواضحة المفهومة ؟ ! كل باحث ومتأمل حرّ ، يعلم أن العهد الذي بعث فيه محمد عليه الصلاة والسلام ، إنما كان أبعد العهود الجاهلية عن هديه عليه الصلاة والسلام بالنسبة لسائر العهود السابقة الأخرى ، والأطلال التي كانت لدى العرب عند بعثته من معالم الحنيفية ومبادئها ، والتي كانت تتمثل في لمع خاطفة من كراهية الأصنام والترفع عن عبادتها وفي النزوع إلى بعض الفضائل والقيم التي أقرها الإسلام ، هذه الأطلال لا تبلغ معشار ما كان بارزا واضحا منها لديهم قبل بضعة قرون . وقد كان المتوقع إذن حسب تصور هؤلاء الناس لمعنى النبوة والبعثة ، أن تكون بعثته عليه الصلاة والسلام قبل الزمن الذي بعث فيه بعدة قرون وأجيال ! ! . . * * * وأما أناس آخرون ، فقد طاب لهم أن يقرروا بأن محمدا صلّى اللّه عليه وسلم لمّا لم يستطع القضاء على معظم ما كان معروفا لدى العرب من الأعراف والتقاليد والطقوس والاعتقادات الغيبية ، عمد فأسبغ على كل ذلك ثوب الديانة وأخرجه مخرج التكليفات الإلهية ، وبتعبير آخر : إنما أتى محمد عليه الصلاة والسلام ليضيف إلى جملة العقائد الغيبية عند العرب رقابة عليا قوامها شخصية إله قادر على ما يشاء ، فعال لما يريد . فقد استمر العرب بعد الإسلام يؤمنون بالسحر وبالجن وبسائر العقائد المماثلة ، كما أنهم ظلّوا على ما كانوا عليه من الطواف بالكعبة وتقديسها وأداء طقوس وشعائر معينة نحوها . وإنما ينطلق هؤلاء في دعواهم هذه من فرضيتين اثنتين لا يريدون أن يتصوروا خطأهما بحال ، الفرضية الأولى أن محمدا عليه الصلاة والسلام ليس نبيا . الثانية أن ما كان لدى العرب من بقايا عهد إبراهيم التي تحدثنا عنها ، إنما هو من مخترعاتهم وتقاليدهم التي ابتدعوها مع الزمن من عند أنفسهم ، فليس احترام الكعبة وتقديسها أثرا من آثار دعوة أبي الأنبياء إبراهيم عليه الصلاة والسلام كما أمره بذلك ربه ، وإنما هو شيء نسجته البيئة العربية فكان تقليدا من جملة التقاليد العربية المختلقة . وفي سبيل المحافظة على هاتين الفرضيتين أن لا يصيبهما أي خدش أو وهن ، يغمض أربابهما العين عن جميع الأدلة والوقائع التاريخية الجلية الكبرى التي تقف في طريقهما أو التي تردّهما وتكشف عن زيفهما وبطلانهما .